السحر والعين

تعريف السحر وحكمه شرعا في الاسلام

لا شك أن الكثير من الناس يسمعون عن السحر ولكن لا يعلمون تعريف السحر وحكمه شرعا، وهناك آيات قرآنية وأحاديث نبوية تتحدث عن السحر إلا أن القليل من يدرك معانيها، وحين البحث تجد أن العلماء حينما يتكلمون عن السحر، دائما ما يتحدثون عن حقيقته ؛ فهناك من يرى أن له حقيقة، وهناك من يرى عكس ذلك ، وهو ما سنراه في هذا المقال عبر المحاور الآتية:

تعريف السحر لغة واصطلاحا:

woman 687560 1920
تعريف السحر وحكمه شرعا

    تطلق كلمة السحر من حيث اللغة على معان عدة منها: 

  • التخييل : كالذي يقوم به المشعوذ من خلال صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده. 
  • التمويه : تطلق كلمة السحر على التمويه بالحيل واللطافة والخفاء والاستمالة والخداع، وعند العرب : فأصل لفظة السحر هي الاستمالة، ولهذا فكل من استمالك فقد سحرك.

ولقد أخذ الناس كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ” إن من البيان لسحرا ” مَثَلا سائرا بينهم فإذا سمعوا كلاما يعجبهم قالوا ما قاله عليه الصلاة والسلام ” إن من البيان لسحرا ”.

   وعليه فالسحر لغة هو كل ما لطف ودق وخفي سببه، كما يكون السحر أيضا بمباشرة أقوال وأفعال حتى يتم للساحر مراده بالتأثير على الشخص المعني، وذلك من خلال تغيير مزاجه والتأثير في حواسه وعقله وبدنه، فيجد مثلا الحلو مرَّا، فتضعف قواه وينقبض صدره ..

وقد اختلف العلماء في تعريف السحر اصطلاحا إلى تعاريف كثيرة متباينة لكثرة الأنواع الداخلة فيه، ولاختلاف المذاهب فيه بين الحقيقة والتخييل؛ فمثلا البعض يعرفه بتعاريف لا تصدق إلا على ما لا حقيقة له من أنواع السحر، أو ما هو تعريف السحر في اللغة. 

    ومن أمثال الذين عرفوه بما لا حقيقة له أبو بكر الرازي : هو كل أمر خفي سببه، وتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخدع.

قال ابن قدامة في تعريف السحر: هُوَ عُقَدٌ وَرُقًى وَكَلَامٌ يَتَكَلَّمُ بِهِ، أَوْ يَكْتُبُهُ، أَوْ يَعْمَلُ شَيْئًا فِي بَدَنِ الْمَسْحُورِ أَوْ قَلْبِهِ، أَوْ عَقْلِهِ، مِنْ غَيْر مُبَاشَرَةٍ لَهُ.

حكمه شرعا :

   لقد اختلفت أنظار العلماء في تحديد حقيقة السحر إلى قسمين:

  • القسم الأول:  يرى أن السحر تَخْيِيلٌ ؛ لا حقيقة له.
  • القسم الثاني:  يرى أن السحر حَقٌّ وَلَهُ حَقِيقَةٌ وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء (مالك وأبو حنيفة و الشافعي )، وَيَكُونُ بالفعل والقول، ويمرض ويقتل، ويؤلم ويفرق بين الزوجين، وهذا هو الصحيح كما قال الإمام النووي, لقوة أدلتهم على أدلة القسم الأول، ويشير ابن قدامة إلى أن السِّحر له حقيقة، فمنه ما يقتل ومنه ما يمرض ومنه ما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطأها ،ومنه ما يفرق بين المرء وزوجه، وما يبغض أحدهما إلى الآخرة، أو يحبب بين اثنين.

      وعليه فإن السِّحر له أثر ثابت و حقيقة لا خيال، قال ابن القصار: ذهب مالك وأبو حنيفة و الشافعي إلى أن السحر له حقيقة، وقد يؤدي إلى المرض أو الهلاك. ولإثبات تأثير السحر و حقيقته؛ استدل العلماء بمجموعة من الأدلة منها:

أدلة تأثير السحر :

book 1659717 1920
تعريف السحر وحكمه شرعا
  • قال تعالى : (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ) سورة البقرة :الآية 102.

   تدل هذه الآية على أن للسحر حقيقة، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى

 أخبر فيها عن السحر ،وأنه مما يعلم ويتعلم ،وأن متعلمه يكفر بذلك، وهذه الصفات لا تكون إلا لماله حقيقة. وهو ما يدل على أن للسحر حقيقة.

  • قول الله تعالى:  (( وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ الله)) (سورة البقرة: 102) ، فقد بين الله تعالى في هذه الآية تأثير السحر وضرره، غير أن هذا التأثير إنما هو من قضاء الله وقدره. قال سفيان الثوري: ” إلا بقضاء الله”.  
  • قال تعالى (( فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ)) (البقرة 102)؛ فمن خلال الآية الكريمة من سورة البقرة يظهر أثر السحر في التفريق بين الزوجين مع وجود الأُلفة والترابط والمحبة بينهما، حيث يقوم السحرة بالاستعانة بالشياطين للتنزع المحبة والألفة بين الزوجين، وإيقاع العداوة والبغضاء بينهما.

قال الشوكاني: “في إسناد التفريق إلى السحرة وجعل السحر سبباً لذلك، دليل على أن للسحر تأثيراً في القلوب بالحب والبغض والجمع والفرقة والقرب والبعد.

  • يقول الله تعالى في سورة الفلق : ((قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ*مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ* وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ )) سورة الفلق .

   تشير التفاسير أن المقصود بالنفاثات في العُقد هي: السواحر اللواتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن؛ قال ابن قدامة: (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) يَعْنِي السَّوَاحِرَ اللَّاتِي يَعْقِدْنَ فِي سِحْرِهِنَّ، وَيَنْفُثْنَ عَلَيْهِ، وَلَوْلَا أَنَّ السِّحْرَ لَهُ حَقِيقَةٌ، لَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ.

 وعليه، فلما أمرنا سبحانه وتعالى في هذه السورة أن نستعيذ به من شر ما خلق ومن السواحر، دَلَّ ذلك على أن هذه الأمور موجودة وثابتة، ولا يمكن إنكارها. قال ابن القيم رحمه الله: “وقد دل قول الله تعالى: ومن شر النفاثات في العقد، وحديث عائشة رضي الله عنها على تأثير السحر، وأنَّ له حقيقة”

 ولقد ذكر المفسرون سبب نزول السورة فأشارواْ على أنها نزلت في لبيد بن الأعصم لما سحر الرسول صلى الله عليه وسلم ثم آتاه جبريل فأخبره بذلك. وسنشير إلى هذه القصة فيما بعد عندما سنتحدث عن أدلة السنة في تأثير السحر وأن له حقيقة. 

  • قال الرسول صلى الله عليه وسلم:( من تَصَبَّح بسبع تمرات عجوة) لم يضره ذلك اليوم سُمٌّ ولا سحرٌ، ووجه الاستدلال أن الرسول صلى الله عليه وسلم وَجَّهنا وأرْشَدَنا إلى ما فيه وقاية من السحر ولا يُتَوَقَّى إلا مِنْ شَيْءٍ له حقيقة، كما أن خطورة السحر وضرره تظهر من خلال مقارنته بالسم، ومعلوم أن السم له حقيقة فكذلك السحر.
  • حديث عائشة رضي الله عنها لما سحر الرسول صلى الله عليه وسلم: حيث سحر رجلٌ  من بني زُريق يقال له لبيد بن الأعصم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان عليه الصلاة والسلام  يُخيَّلُ إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله.

ولقد سُحر عليه الصلاة والسلام من خلال شعرات تساقطت من رأسه ولحيته، فتم الحصول عليها من قِبَل جارية صغيرة كانت تذهب إلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم، فعقد عليها سحراً وضع في بئر ذروان، فكان النبي صلى الله عليه وسلم  يُخَيّل إليه أنه يجامع إحدى زوجاته، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه وألحّ في الدعاء، فاستجاب الله دعاءه وأنزل ملكين أعلماه أنه سحر، فأمر صلى الله عليه وسلم باستخراج السحر ودفنه، وفي بعض الروايات حرقه.

ويُعرف هذا النوع من السحر بنوع عقد الرجل عن زوجته، ولم يمس عقله ولا سلوكياته ولا تصرفاته. ردا على من يقول بأن سحر الرسول صلى الله عليه وسلم غير وارد، ويستحيل وقوعها على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ناسين أن السحر أنواع وأقسام، وكل قسم أو نوع يختلف عن الآخر، والجمهور يقسمون السحر إلى قسمين:

قسم أول ؛ عبارة عن حيل وشعوذة، ومخرقة، وتهويل ،وإيهام ليس له حقائق ،أو له حقائق لكن لطف مأخذها، ولو تم كشف أمرها لعلم أنها أفعال معتادة، ويمكن لمن عرف وجهها أن يفعل مثلها، ومن جملتها ما ينبني على معرفة خواص المواد والحيل الهندسية ويمكن أن يدخل هذا الأمر في ما يسمى بــالسحر قال تعالى ” قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ” الأعراف 116. 

وقسم ثاني له حقيقة ووجود وتأثير في الأبدان وهو الذي ذهب إليه كثير من علماء الحنفية والشافعية والحنابلة والمالكية.

 فمن خلال الأدلة التي استدل بها الجمهور تبين أن السحر عند أَهْلِ السُّنَّةِ حَقٌّ وَلَهُ حَقِيقَةٌ، وَيَكُونُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَيُؤْلِمُ وَيُمْرِضُ وَيَقْتُلُ وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ..

عكس المعتزلة وبعض العلماء الذين يقولون أن السحر لا حقيقة له إنَّمَا هُوَ تَخْيِيلٌ، وَبِهِ قَالَ الْبَغَوِيّ ونذكر بعضا من أدلتهم للإنصاف:

أدلة المخالفين لتأثير السحر وأنه تخييل : 

universe 2682017 1920
تعريف السحر وحكمه شرعا

   اِستدل المخالفون لتأثير السحر على الناس وعلى أبدانهم بقوله تعالى في سورة طه:( الآية :  66 ): ((يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى )) بمعنى أن السحر تخييل وشعوذة، وليس له حقيقة وأنه لا يمرض منه أحد، ولا يقتل به إنسان أو حيوان، ففي الآية: أخبر الله تعالى أن حبالهم وعصيهم ما سعت في الحقيقة، إنما خيل إليهم أنها تسعى، فلو كان للسحر حقيقة لتحقق في ذلك الوقت.. إلا أن ابن القصار رَدَّ عليهم بحديث عائشة لما سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

      بينما ذهب بعض الحنفية إلى أن السحر إذا كان عبارة عن شيء يصل إلى جسم المسحور مثل دُخان وغيره، جاز أن يحصل منه ذلك من مرض وموت وغيرهما، فأما أن يحصل ذلك من غير أن يصل شيء إلى بدن المسحور فلا يجوز ذلك، لأنه لو جاز لبطلت معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام باعتبار ذلك خرقا للعادات، وإذا جاز من غير الأنبياء بطلت أدلتهم ومعجزاتهم . 

وخلاصة القول أن السحر له حقيقة وموجود ويؤثر، وأدلة الجمهور في تأثيره، أقوى من أدلة المخالفين، ولقد رأينا الذين أصيبوا به، ولهذا فالواقع لا يرتفع، ولا يمكن إنكاره، فالسحر بدوره مرض من الأمراض، يعالج بالرقية الشرعية وبالأعشاب الطبيعية كما تعالج الأمراض الأخرى بالأدوية، وللسحر أنواع مختلفة وأقسام متنوعة، يعرف من خلال أعراضه التي وضعها المعالجون والرقاة.

إلا أن المعتزلة وأبا بكر الرازي الحنفي المشهور بالجصاص، وأبا جعفر الإستراباذي والبغوي من الشافعية ينكرون جميع أنواع السحر، حيث يعتبرونه تخييلا من الساحر على من يراه، وإيهاما له بما هو خلاف الواقع، وذهبوا إلا أن السحر لا يضر إلا في حالة استعمال الساحر سُمًّا، أو دُخانا يصل إلى بدن المسحور فيلحقه الضرر.

اقرئ أيضا :

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

عزيزي المستحدم يبدو ان متصفحك يستخدم احد ادوات منع الاعلانات برجاء اغلاق هذه الاداة او ضع موقعنا على القائمة البيضاء لديك